علي بن أحمد المهائمي
24
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )
إذ علل به الحمد لأنه انما يتم بالجزاء على الابتلاء والاخذ من المظالم فكأنه علة لنفسه وترتيب مالك يوم الدين على الرحيم لان الرحمة الخاصة بالحقيقة هي السعادة الأبدية التي تكون يوم الدين وعلى الرحمن بواسطته لان العوام انما خوّفوا به لاصلاح باطنهم وظاهرهم ليرحموا بهذه السعادة ان تأثروا بها فكانت رحمة عامة موصلة إلى الخاصة لمن تأثر وقد قصد في حق من لم يتأثر أيضا وعلى الربوبية بواسطتهما لأنهما انما يتم بالاصلاح المذكور ليفضى إلى السعادة الأبدية فالاصلاح رحمانية والافضاء إلى السعادة رحيمية وعلى اسم اللّه بواسطة الثلاثة لان الهيته انما تظهر بهذه التربية التي انما تتم بالرحمتين اللتين تمامهما بالجزاء ووجه استحقاق الحمد على هذه المالكية انه يظهر به فضل الخالق باعطائه على كلمة واحدة أو عمل ساعة ما لا يحصى من الثواب الأبدي وعد له إذ لم يجاوز في الجزاء ما يناسب الافعال والاعتقادات وحكمته بالتفرقة بين المحسن والمسىء بالانعام الصرف والانتقام الصرف والجزاء مصلح للظاهر والباطن رافع للحجب الظلمانية من متابعة الهوى والغضب وبه يتم التمدن وقيل حمد أولا باعتبار الهيته المقتضية للوجود ثم بالربوبية المقتضية للاعراض ثم بالرحمانية المقتضية لأسباب المعاش ثم بالرحيمية المقتضية لأسباب انتظام المعاد ثم بالجزاء المرتب على اصلاحه أو الاخلال به * وقيل في ايراد الأسماء الخمسة في الفاتحة ان العبادة مقتضى الإلهية والاستعانة مقتضى الربوبية وطلب الهداية مقتضى الرحمانية والاستقامة مقتضى الرحيمية والانعام مقتضى المالكية عند الاستقامة كما أن الغضب مقتضاها عند الاخلال بها ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ايا ضمير منفصل منصوب المحل واللواحق لبيان حاله ولا محل لها عند سيبويه والفارسي وضمائر معه أضيف إليها عند الخليل والأخفش والمازني وعند الفراء هي الضمائر وايا اعتماد وعند الزجاج والسيرافى ونقله ابن عصفور عن الخليل اسم ظاهر بمعنى النفس وعند سائر الكوفيين الضمير المجموع والعبادة تذلل للغير عن اختيار لغاية تعظيمه فخرج التسخير والسخر والقيام والانحناء لنوع تعظيم والاستعانة طلب المعونة ما يفيد استطاعة على الفعل أو تيسيرا له أو تقريبا اليه أو حثا عليه * والسر في العبادة من وجوه الأول ان اللّه تعالى لكمال ذاته وصفاته وأفعاله يقتضى أن يتذلل له من لا يخلو عن نقص لغاية تعظيمه رعاية للحكمة الواضعة كل شئ موضعه الثاني انه تعالى منعم على الانسان بغاية الانعام إذ جعله مختصر الحضرة الإلهية بما أفاض عليه من الوجود والحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام ومختصر العالم لأنه بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة كالعناصر وبالتركيب كالمعادن وبالغذاء والتوليد كالنبات وبالحس والتخيل والتوهم والتلذذ والتألم كالحيوان وبالجراءة كالسبع وبالمكر كالشيطان وبالمعرفة كالملك وباجتماع الحكم فيه كاللوح المحفوظ وبما يثبت بكلامه صور الأشياء في القلوب كالقلم الاعلى فلا بدّ أن يشكره بصرف نعمه إلى ما خلقها من أجله وقد أعطى العقل للمعرفة والآلات الجسمانية لتكييف الجوارح بهيئة العبادة الحافظة للمعرفة فبهيميته لتكميل ملكيته بمساعدة أعمال البدن